ظلت وحدة التخزين الفلاشية البسيطة (USB Flash Drive) واحدة من أكثر التقنيات الاستهلاكية صمودًا عبر التاريخ. فبعدما أزاحت أقراص المرنة (Floppy Disks) عن عرش وسائط التخزين المحمولة، بدأت الفلاشات بالانتشار في الأسواق مع بدايات الألفية الجديدة، لتتحول منذ ذلك الحين إلى أداة أساسية نجدها مخزنة في أدراج المكتب أو قاع حقائب الظهر.
وبينما كانت الأقراص المرنة تعاني من سعات ضئيلة جدًا، اقتحمت الفلاشات الساحة بسعات تقاس بالميجابايت مع سرعات نقل بيانات أعلى بكثير، وهي أرقام تضاعفت تدريجيًا مع تطور تقنيات التخزين. ولكن، هل وصلت الفلاشة أخيرًا إلى نهاية مشوارها؟
حتى الآن، ما يزال “متحف الوسائط المنقرضة” يصنف خطر انقراض وحدات الـ USB عند الدرجة الأولى، وهي أدنى درجات خطر الاختفاء. فطالما ظلت منافذ USB موجودة في أجهزتنا، فلن تختفي هذه المحركات الصغيرة؛ كما أن الارتفاع الأخير في أسعار وسائط التخزين الأخرى ساهم في تمديد شريان الحياة لها. ورغم غياب أدلة مباشرة على تراجع مبيعاتها، إلا أنها فقدت الكثير من بريقها لصالح الأجهزة الحديثة لدى المستخدمين الذين يتعاملون يوميًا مع ملفات ضخمة ويتطلبون سرعات نقل فائقة، لا سيما في قطاعات تقنية المعلومات والمجالات الإبداعية.
وتتجلى المشكلة الرئيسية للفلاشات اليوم في عدم مواكبتها للمتطلبات الحديثة؛ فسعاتها المحدودة التي تتوقف غالبًا عند 128 جيجابايت لدى معظم الشركات، جعلتها غير عملية أمام حجم البيانات الضخم الذي نتعامل معه حاليًا. فالهواتف الذكية الحديثة تنتج مقاطع فيديو بدقة 4K تستهلك نحو جيجابايت كامل لكل دقيقة تصوير، ناهيك عن النسخ الاحتياطية وملفات الأرشيف الضخمة التي تتجاوز سعة الفلاشة بسهولة. وحتى إن اتسعت الفلاشة لملفاتك، فإن سرعة النقل ستكون بطيئة نسبيًا.
وهنا يأتي دور الأقراص الصلبة الخارجية (SSDs) لتسد هذا الفراغ؛ حيث توفر أفضل أجهزة SSD سعات تخزين أوسع تبدأ عادة من 1 تيرابايت، مع سرعات نقل فائقة وديمومة أعلى بفضل الغلاف الخارجي الواقي ومتحكمات الذاكرة الممتازة. ومع تطور التصميم، أصبحت وحدات SSD الحديثة صغيرة الحجم وجيبية للغاية، مما يجعلها استثمارًا أطول عمرًا مقارنة بالفلاشات. إضافة إلى ذلك، توفر أجهزة SSD مرونة أكبر مع منافذ USB-C الحديثة عبر كابلات مرفقة تتوافق مع مختلف المنافذ (Type-A وType-C).
لكن الطفرة الأخيرة في مجال الذكاء الاصطناعي قلبت الموازين لصالح الفلاشة من جديد. فنتيجة للإقبال الهائل على مراكز البيانات، ارتفعت أسعار أقراص SSD بشكل جنوني منذ أواخر عام 2025؛ فعلى سبيل المثال، قفز سعر قرص “Samsung 990 Pro” بسعة 4 تيرابايت من 318 دولارًا في نوفمبر 2025 ليلامس حاجز 1,100 دولار حاليًا. هذا الارتفاع الحاد جعل اقتناء أجهزة SSD عبئًا ماليًا كبيرًا على المستخدم العادي.
في المقابل، حافظت وحدات الـ USB الفلاشية على أسعار منطقية ومقبولة؛ فحزمة مكونة من 5 فلاشات بسعة 64 جيجابايت لا تتجاوز تكلفتها 43 دولارًا. وبالنسبة لغالبية المستخدمين الذين لا يحتاجون لتصوير فيديوهات سينمائية ويبحثون فقط عن نقل بعض المستندات أو الملفات الشخصية، عادت الفلاشات لتكون الخيار الأكثر جاذبية واقتصادية، وهو ما يفسر الارتفاع الكبير في معدلات البحث عنها على جوجل مع بداية عام 2026.
فضلاً عن ذلك، ما تزال للفلاشات استخدامات تقليدية لا غنى عنها ولا بديل لها؛ فمن غير المنطقي التضحية بقرص SSD كامل لمجرد تثبيت نظام تشغيل مثل Windows 11 أو Linux، أو لتشغيل أنظمة حية مثل Tail OS، أو حتى للاحتفاظ بحزمة أدوات الصيانة والإصلاح في ميدالية المفاتيح لاستخدامها عند الطوارئ.

