تقف التجربة الفنية للأيقونة الراحل عزت أبو عوف كإحدى أكثر المسيرات تنوعًا وثراءً في المشهد الثقافي المصري، إذ لم يمنعه تخصصه الأكاديمي في جراحة النساء والتوليد عن اللحاق بشغفه الإبداعي؛ ليتحول طبيب القصر العيني، الذي ولد في مثل هذا اليوم بحي الزمالك من عام 1948 وتوفي في يوليو 2019، إلى أحد أبرز صنّاع الترفيه الذين تنقلوا بسلاسة بين التلحين، التمثيل، الإعلام، والإدارة المهرجانية.
من صخب الستينيات إلى ثورة “فور إم”
لم تكن الموسيقى مجرد شغل وقت بالنسبة للراحل، بل كانت المحرك الأول لقراراته الجريئة. فقبل أن يغادر أروقة الطب نهائيًا، انخرط في المشهد الموسيقي السائد خلال الستينيات عبر فرقة “بلاك كوتس”، لينتقل لاحقًا مع نهاية السبعينيات لإطلاق فرقة “فور إم” برفقة شقيقاته. هذه التجربة لم تمنحه الانتشار والجماهيرية العريضة فحسب، بل شكلت هوية صوتية خاصة للجمهور قبل انتقاله لعالم الكاميرا.
التحول نحو السينما والتألق الدرامي
شهد عام 1992 التحول الأكبر في مسيرته حين اختاره المخرج خيري بشارة للمشاركة في بطولة فيلم “آيس كريم في جليم”، لتنطلق بعد ذلك مسيرته السينمائية والتلزيونية الممتدة. ورغم حصر المخرجين له في بداياته داخل قالب “الرجل الأرستقراطي”، استطاع أبو عوف الهروب من تلك النمطية عبر تنويع خياراته بين الكوميديا والدراما الاجتماعية، مدعومًا بخلفية عائلية فنية بالأساس؛ فهو نجل الموسيقار أحمد شفيق أبو عوف، ووالد المخرجة مريم أبو عوف.
ومن أبرز الأعمال التي شهدت حضوره الاستثنائي في السينما: “طيور الظلام”، “بخيت وعديلة”، “ليلة ساخنة”، “إشارة مرور”، و”بنات وسط البلد”، أما في التلفزيون فكان له تواجد بارز في “هوانم جاردن سيتي”، “زيزينيا”، “أوبرا عايدة”، و”عباس الأبيض في اليوم الأسود”.
الدبلوماسية الثقافية والإعلام
لم يتوقف طموح الفنان الشامل عند حدود الأداء والتأليف الموسيقي، بل امتد ليتولى ملفات تنظيمية وإعلامية بارزة. فخلال الفترة الممتدة بين عامي 2006 و2012، ترأس إدارة “مهرجان القاهرة السينمائي الدولي”، حيث قاد المهرجان برؤية هدفت إلى تطوير هيكله التنظيمي وتعزيز مقومات تواصله مع القائمين على صناعة السينما العالمية. كما وضع بصمته في المشهد الإعلامي عبر مشاركته في تقديم برنامج “القاهرة اليوم” لسنوات إلى جانب الإعلامي عمرو أديب.
ورغم الصراع الصحفي المجهد مع المرض في سنواته الأخيرة، ظل الفنان الراحل يمارس نشاطه حتى أيامه الأخيرة، تاركًا خلفه إرثًا متعدد الأبعاد يتجاوز مجرد كونه ممثلًا، ليخلد اسمه كرمز للتعددية الفنية في تاريخ الفن العربي الحديث.

