في مثل هذا اليوم، الرابع عشر من أغسطس، تخيم الذكرى السنوية لرحيل إحدى ساحرات الشاشة العربية، الفنانة القديرة شويكار، التي تركت دنيانا عام 2020.
وتأتي هذه المناسبة لتفتح أوراق مسيرة استثنائية لم تكن مجرد رحلة تمثيلية عادية، بل كانت ملحمة فن حقيقية امتلكت فيها زمام البطولة في مختلف ألوان الإبداع، من خشب المسرح إلى بلاتوهات السينما وشاشات التلفزيون.
شهدت مدينة الإسكندرية ميلاد هذه النجمة في الرابع من نوفمبر عام 1938، داخل أسرة جمعت بين الدماء التركية من جهة الأب والشركسية من جهة الأم. هذا التحالف العرقي منحها قسمات وجه أرستقراطية وجاذبية بصرية فريدة، صنعت منها خامة ممتازة لتجسيد مختلف الأنماط الإنسانية.
ومع انطلاق ستينيات القرن الماضي، أعلنت عن حضورها الأول في الوسط الفني، لتلفت الأنظار فورًا بخلطة سحرية تدمج بين خفة الظل التلقائية والقدرة العالية على تقمص الشخصيات.
وشكل التلاقي بين شويكار و”الأستاذ” فؤاد المهندس علامة فارقة في تاريخ الترفيه العربي؛ إذ أسسا معًا ثنائيًا كوميديًا صار أسطورة قائمة بذاتها. ولم تكن هذه الشراكة مجرد نجاح عابر، بل أثمرت عن حالة من التناغم الاستثنائي انعكست في أعمال سينمائية جارفة النجاح جماهيريًا، مثل “شنبو في المصيدة”، “أرض النفاق”، “أخطر رجل في العالم”، و”سفاح النساء”، حيث برهنت من خلالها على قدرة فذة في انتزاع الضحكات مع الاحتفاظ بقيمتها كممثلة ثقيلة الوزن.
ولم يتوقف هذا التوهج المشترك عند شاشة السينما، بل امتدا معًا ليتسيدا خشبة المسرح المصري بعروض حُفرت في الذاكرة، من بينها “سيدتي الجميلة”، “أنا وهو وهي”، “حواء الساعة 12″، و”أنا فين وإنتي فين”. في هذه العروض، ظهر المسرح كأحد أهم المحطات في حياة شويكار، حيث كانت تملك كاريزما طاغية وقدرة مجردة على ارتجال الحوار والتواصل المباشر مع الجمهور، مما جعلها صانعة أحداث حقيقية في المسرحية وليست مجرد وجه نسائي جميل بجوار البطل.
ومع مطلع السبعينيات، أحدثت شويكار نقلة نوعية في خياراتها الفنية بتركيزها المكثف على السينما، رافضة الشعار الذي يضعها داخل إطار الكوميديا فقط. وانطلقت نحو عالم الدراما المركبة، لتدهش الجميع بأداء تراجيدي واجتماعي رفيع المستوى عبر مشاركتها في أفلام فارقة مثل “الكرنك”، “السقا مات”، “طائر الليل الحزين”، “فيفا زلاطا”، و”أمريكا شيكا بيكا”، مثبتة أن مرونتها الفنية قادرة على التكيف مع أعقد النصوص وأصعب الشخصيات.
ولم تبتعد الدراما التلفزيونية عن دائرة تألقها، حيث نزلت ضيفة عزيزة على بيوت ملايين المشاهدين في أعمال تركت أثرًا عميقًا عبر أجيال مختلفة. فتألقت في مسلسلات تنوعت بين التراجيديا والدراما الاجتماعية، مثل “هوانم جاردن سيتي”، “امرأة من زمن الحب”، “بنت من شبرا”، و”كلام رجالة”، لتنجح عبر هذه الأعمال في تجديد دماء جماهيريتها والحفاظ على مكانتها الرفيعة رغم تغير شكل الدراما المصرية وتتابع أجيالها.
وفي الرابع عشر من أغسطس 2020، طويت الصفحة الأخيرة في حياة شويكار عن عمر يناهز 85 عامًا، إلا أن هذه النهاية الجسدية لم تزد إرثها الفني الضخم إلا تجددًا وبقاءً في أذهان ومشاعر كل محبي الفن المصري الأصيل.

