لقد انقضت الأيام الذهبية لبرامج الحماية التي تطورها شركات أجنبية مع تراجع سيطرة عصر الحواسيب الشخصية. أسماء شهيرة مثل Norton وMcAfee وAvast كانت يومًا ما مألوفة لمستخدمي الحواسيب حول العالم، لكن عكس أجهزة “ويندوز” القديمة، لا نسرع جميعًا اليوم لتثبيت مضاد فيروسات على هواتفنا؛ والسبب بسيط: هواتف أندرويد الحديثة لا تحتاج إليها حقًا.
وهذا لا يعني أن هاتفك حصين تمامًا ضد البرمجيات الخبيثة، لكن حمايته لم تعد ملقاة على عاتقك بالكامل هذه الأيام. فجميع أجهزة التشغيل الحديثة، بما فيها أنظمة الهواتف مثل أندرويد، تأتي مزودة بمستويات حماية مدمجة ومفعلة تلقائيًا. وقد تكون هذه الحماية كافية تمامًا للمستخدم العادي، لكن الأمر يتوقف على طبيعة استخدامك، حيث توجد حالات استثنائية تجعل الحصول على حماية إضافية أمرًا منطقيًا.
نظام أندرويد الحديث يحمي جهازك تلقائيًا
أنظمة أندرويد ليست معصومة من الإصابة، إذ يمكن أن تتعرض للفيروسات والبرمجيات الخبيثة والاختراقات الأمنية كأي برنامج آخر. كما تواجه الهواتف تهديدات مخصصة لها، مثل الإشعارات الضارة التي كشف تقرير أمني لشركة Gen في 2025 أنها تضاعفت ثلاث مرات خلال ثلاثة أشهر فقط، إلى جانب برامج التجسس التي تواصل تمددها كأحد أبرز المخاطر على الهواتف.
ولحسن حظ المستخدم العادي، يتضمن أندرويد مزايا وإعدادات مخصصة لحماية الهاتف تلقائيًا. ويعد نظام Google Play Protect خط الدفاع الأول لإبعاد التطبيقات الضارة؛ حيث أعلنت جوجل أنها حظرت 27 مليون تطبيق خبيث جديد من متجرها خلال عام 2025 وحده. ويفحص النظام تطبيقك بانتظام عند التثبيت وبعده، وفي حال اكتشاف أي خطورة، يقوم بتعطيل التطبيق أو إزالته تلقائيًا.
ويعتمد أندرويد أيضًا على تقنية “عزل التطبيقات”، حيث يمنح كل تطبيق معرّفًا أمنيًا مستقلًا لمنعه من التفاعل مع باقي تطبيقات الهاتف. وبالتوازي مع ذلك، تتلقى الهواتف الحديثة تحديثات أمنية دورية لإغلاق الثغرات، بينما يعتمد نظام الأذونات على موافقتك الصريحة لحماية ملفاتك وجديد جهات اتصالك. كما ينبهك Google Play Protect عند طلب التطبيقات الوصول لبينات حساسة، ويقوم بإعادة ضبط الأذونات تلقائيًا للتطبيقات التي لم تستخدمها لفترة.
وتستمر منظومة حماية أندرويد في التطور بمساعدة الذكاء الاصطناعي، حيث تسعى جوجل لإدخال ميزة الحماية من انتحال المكالمات الهاتفية لحظر المحتالين الذين يقلدون جهات رسمية كالبنوك. كما تواصل توسيع تقنيات الكشف المباشر عن التهديدات للحد من السلوكيات المشبوهة مثل تحويل الرسائل النصية. بالإضافة إلى ذلك، عدلت جوجل سياساتها بشأن تثبيت التطبيقات من خارج المتجر، حيث ستقتصر قريبًا على “المستخدمين الخبراء” مع فرض فترة انتظار لمدة 24 ساعة وفحص إجباري لهوية المطورين.
أكبر المخاطر لا تستطيع برامج الفيروسات حمايتك منها
لم نصل بعد إلى عالم خالٍ من الفيروسات، بل انتقلنا إلى عالم يتضمن أساليب استهداف أخرى لا تقل خطورة. أبرز التهديدات الشائعة على أندرويد ليست فيروسات تقوم بتثبيتها، بل أساليب مخصصة لخداعك ودفعك لكشف بياناتك بنفسك.
وتأتي الهندسة الاجتماعية في مقدمة هذه المخاطر؛ فالرسائل النصية والمكالمات الاحتيالية تعد السلاح المفضل للمحتالين. ورغم أن أندرويد يعمل على إدراج حماية مباشرة مدعومة بالذكاء الاصطناعي لمواجهتها، إلا أنها ليست متاحة للجميع بعد. فجميعنا يرى رسائل التصيد التي تحتال للحصول على كلمات المرور أو البيانات الشخصية، ناهيك عن الخدع النفسية مثل ادعاء الدعم الفني الزائف، أو تظاهر أحدهم بأنه أحد أقاربك في ضائقة، أو الاحتيال العاطفي والمالي، وهي تهديدات لا يمكن لأي مضاد فيروسات مجابهتها.
وتزداد المخاطر أيضًا عند الاتصال بشبكات Wi-Fi العامة في المطار أو الفنادق دون استخدام شبكة افتراضية خاصة (VPN). فمراقبة الاتصال على نفس الشبكة قد تمكن المهاجمين من اعتراض البيانات غير المفرغة أو توجيهك لمواقع مزيفة لسرقة بياناتك.
كما تشكل الإشعارات الضارة وسيلة أخرى للخداع؛ إذ إن ضغطة زر واحدة على “سماح” في موقع مزيف قد تفتح الباب لسيل من الرسائل الاحتيالية التي تدعي أن جهازك مصاب بفيروس.
متى يكون استخدام مضاد الفيروسات منطقيًا؟
المخاطر ليست ثابتة، بل تختلف من يوم لآخر ومن شخص لآخر. فاستخدام شبكات Wi-Fi العامة مثلًا يشكل خطرًا كبيرًا، ورغم أن استخدام الـ VPN يعد الخيار الأفضل لتشفير الاتصال، إلا أن برامج الحماية قد تساعدك بعد الاتصال عبر فحص الملفات للتأكد من خلوها من البرمجيات الخبيثة.
وإذا كنت ممن يفضلون تثبيت التطبيقات من خارج متجر Google Play، فقد يكون استخدام مضاد الفيروسات خيارًا صائبًا. ورغم أن Google Play Protect يفحص التطبيقات الخارجية، إلا أنه لن يعمل إذا قمت بتعطيله أو إذا كنت تستخدم جهازًا يفتقر لخدمات جوجل.
كما يُنصح بتثبيت برنامج حماية عند ظهور أعراض إصابة مؤكدة على هاتفك وتريد حسم الأمر؛ مثل ظهور النوافذ المنبثقة بكثرة، بطء الأداء غير المبرر، استهلاك البطارية المفرط، أو طلبات الأذونات الغريبة. ورغم أن هذه الأعراض قد تدل على أسباب أخرى، إلا أنها تستوجب الفحص.
أخيرًا، العمل بهاتف أندرويد قديم لا يتلقى تحديثات أمنية أو تحديثات لنظام التشغيل يضعك تحت طائلة خطر أكبر. وصحيح أن مضاد الفيروسات لا يمكنه تعويض التحديثات الرسمية بالكامل، لكنه قد يحميك في حال استغلال ثغرة أمنية عالية الخطورة.
هل مضاد الفيروسات ضروري حقاً؟
بالنسبة لغالبية المستخدمين، لا تعد تطبيقات مضاد الفيروسات ضرورية على أندرويد. ينقل لك Google Play Protect الحماية الأساسية ضد التطبيقات الخبيثة، بينما يضمن الـ VPN أمانك أثناء التصفح. وبحكم تصميم أندرويد، لا تستطيع التطبيقات التفاعل فيما بينها أثناء التشغيل، كما تخضع الأذونات لسلطتك الكاملة.
لكن الأمر يختلف إذا كنت تصنف نفسك ضمن فئة “المستخدمين الأكثر عرضة للمخاطر”؛ كزيارة المواقع المشبوهة أو تثبيت التطبيقات الخارجية مع تعطيل حماية جوجل. في هذه الحالة، يمنحك برنامج الحماية راحة بال إضافية، بشرط أن يكون من تطوير شركة موثوقة على المتجر. أسماء كبيرة مثل Norton لا تزال تقدم حزمًا متكاملة تشمل خدمات VPN، حظر الإعلانات الخبيثة، وفلترة الرسائل النصية.
وتبقى التوعية الأمنية خط الدفاع الأول والأنسب دائمًا. فتجنب السلوكيات التي تضعك في موضع خطر يضمن لك أمانًا أكبر على المدى الطويل؛ سواء بجهل المكالمات المجهولة، أو التثبت قبل التفاعل مع الرسائل الغريبة.
عدم وجود مضاد فيروسات على هاتفك ليس خطأ، ويرى البعض عدم الحاجة إليها مطلقًا. الإجابة القاطعة تتوقف على نمط استخدامك، ولكن لحسن الحظ، تضمن إجراءات الأمان المدمجة من جوجل حماية معظم مستخدمي أندرويد دون حتى أن يشعروا بذلك، مع استمرارها في التطور لمواجهة التهديدات الجديدة.

